ابن الأثير
176
الكامل في التاريخ
محمّد ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فو اللَّه ما أحدثت حدثا ، ولا آويت محدثا . فرقّ له ، وقال : اذهب حيث شئت من بلاد اللَّه . قال : فكيف أذهب ولا آمن أن أوخذ ؟ فوجّه معه من أدّاه إلى مأمنه . وبلغ الخبر الفضل بن الربيع من عين كانت له من خواصّ جعفر ، فرفعه إلى الرشيد ، فقال : ما أنت وهذا ؟ فعله عن أمري . ثمّ أحضر جعفرا للطعام ، فجعل يلقمه ويحادثه ، ثمّ سأله عن يحيى ، فقال : هو بحاله في الحبس . فقال : بحياتي ؟ ففطن جعفر ، فقال : لا وحياتك ! وقصّ عليه أمره ، وقال : علمت أنّه لا مكروه عنده . فقال : نعم ما فعلت ! ما عدوت ما في نفسي . فلمّا قام عنه قال : قتلني اللَّه إن لم أقتلك ! فكان من أمره ما كان . وقيل : كان من الأسباب أنّ جعفرا ابتنى دارا غرم عليها عشرين ألف ألف درهم ، فرفع ذلك إلى الرشيد ، وقيل هذه غرامته على دار ، فما ظنّك بنفقاته وصلاته وغير ذلك ؟ فاستعظمه . وكان من الأسباب أيضا ما لا تعدّه العامّة سببا ، وهو أقوى الأسباب ، ما سمع من يحيى بن خالد وهو يقول ، وقد تعلّق بأستار الكعبة في حجّته هذه : اللَّهمّ إن كان رضاك أن تسلبني نعمك عندي فاسلبني ! اللَّهمّ إن كان رضاك أن تسلبني مالي وأهلي وولدي فاسلبني ، إلّا الفضل ، ثمّ ولّى ، فلمّا كان عند باب المسجد رجع ، فقال مثل ذلك ، وجعل يقول : اللَّهمّ إنّه سمج بمثلي أن يستثني عليك ، اللَّهمّ والفضل . وسمع أيضا يقول في ذلك المقام : اللَّهمّ إنّ ذنوبي جمّة عظيمة لا يحصيها غيرك . اللَّهمّ إن كنت تعاقبني فاجعل عقوبتي بذلك في الدنيا ، وإن أحاط ذلك بسمعي « 1 » وبصري وولدي ومالي ، حتى يبلغ رضاك ، ولا تجعل
--> ( 1 ) . بذلك سمعي . P . C